" ما بعد اللقاء"
معاك روح تهوى
يا بلياك شمسي سوده
------
مرت أشهر على ذلك اللقاء العاصف. لم نعد كما كنا قبل الغياب، بل صرنا كشجرتين ناضجتين، جذورنا متشابكة تحت الأرض، وأغصاننا تحترق مسافة محترمة في الفضاء.
كنت أزوركِ كل جمعة. نجلس على شرفة منزلكِ المطل على البحر. كنا نشرب القهوة بصمتٍ طويل، ثم ينكسر الصمت بكلمةٍ واحدة… تكفي لإشعال ذكرياتٍ كاملة.
في إحدى الجمع، وقد هبت رياحٌ قوية، قلتِ وأنتِ تمسكين بفناجين القهوة التي كانت ترقص على الطاولة:
"أتعلم ما أكثر ما كنتُأفعلُه في غيابك؟"
قلت:"تكتبين شعراً؟"
هززتِرأسكِ بالنفي، ثم قلتِ بنبرةٍ هادئة: "كنتُ أفتح دفتر الهواتف القديم… وأتوقف عند رقم منزلكِ الذي لم يتغير. أضع إصبعي على الأرقام… وأتراجع. كلُّ مرة."
صمتُّ. البحر كان يصرخُ ذلك اليوم. قلتُ وأنا أُحدِّقُ في الأمواج التي كانت تتحطمُ على الصخور:
"وأنا…كنتُ أمرُّ أمام منزلكِ القديم. أتوقفُ أمام النافذة التي كانت تُضاء ليلاً. رأيتها مرةً مضاءة… فاعتقدتُ أنكِ عدتِ. لكنها كانت مستأجرةً جديدة."
الشتاء جاءَ مبكراً ذلك العام.
في ليلةٍ ماطرة، اتصلتِ بي صوتكِ يرتجف:
"أريدُأن أقرأ لكَ شيئاً."
جئتُ.وجلستِ أمامي بيدين مرتعشتين، تمسكين بورقةٍ قديمة. начала تقرأين قصيدةً لكِ، كتبتيها قبل سنوات، ولم ترسلِيها لي أبداً:
"لو يعرف البحر كم أرميه بحروفك…
لو تعرف الريح كم أحمّلها عتابك…
لصار البحر حبراً… والريح رسالة…
والعالم كله… يقرأ غيابك."
بعد أن انتهيتِ، رفعتِ عينيكِ الدامعتين. قلتُ:
"لماذا لم ترسليها؟"
أجبتِ:"لأنني خفتُ أن تفهمَها."
الأيام صارت نسيجاً جديداً.
تعلمنا أن الحبَّ بعد العاصفة ليس كالحبِّ قبلها. هو أكثر هدوءاً، وأقل توقاً، لكنه أعمق جذوراً. لم نعدْ نطلبُ من بعضنا كلَّ شيء. اكتفينا بشيءٍ واحد: أن نكونَ "وجوداً" في حياة الآخر.
في عيد ميلادي، أهديتني علبةً خشبيةً صغيرة.
فتحتها… فإذا بها مليئةٌ بأوراقٍ صغيرة، كلُّ ورقةٍ عليها كلمة واحدة، مكتوبةٌ بخطِّكِ:
"صباح الخير"
"القهوة جاهزة"
"تهطل الآن"
"أتذكرُ ذلك اليوم؟"
"لا تنم متأخراً"
"الريح باردة اليوم"
"شكراً لأنك موجود"
قلت: "ما هذا؟"
قالت: "هي كلُّ الكلمات التي لم أستطعْ قولَها عندما كنتُ بعيدة. كلُّ رسالةٍ لم أرسلها. كلُّ شعورٍ خفتُ إظهارَه. خذها… واقرأ واحدةً كلَّ يوم. لتعرفَ أن قلبي كانُ يكتبُ لكَ حتى عندما كان صامتاً."
الآن، ونحن هنا…
نعيشُ تفاصيلاً بسيطةً تملأ فراغَ السنين.
أحياناً، حين يُمسي اليوم، أسألك:
"بعد كلِّ هذا العتاب… وبعد كلِّ هذا الصمت… ماذا بقي بيننا؟"
تضحكين ذلك الضحكةَ الهادئة، وتقولين:
"بقي الحبُّ الذي تعلمَ المشيَ على الجمر…
وخرجَ حاملاً رمادَ الماضي في يد…
وزهرةَ الحاضر في اليد الأخرى."
وأحياناً، تسألينني:
"هل تغير الحبُّ بيننا؟"
أقول: "نعم… تغير.
صار يشبهنا نحن الاثنين…
قوياً بما يكفي ليتحمَّلَ الغياب…
وطيباً بما يكفي ليغفرَ الأخطاء."
وشِعارنا الأخير صار:
"ربما لم نكنْ بحاجةٍ إلى عتابٍ طويل،
ولا إلى قصائدَ مثالية.
كلُّ ما احتجنا إليه…
وقتٌ كافٍ لفهمِ أن بعضَ القلوب
تُبنى ليسَ لتسكنَ معاً…
بل لتعودَ إلى بعضها…
بعد أن تتعلمَ كيف تحملُ جراحَها
بين كفيَّ الهدوءِ والرجاء."
والآن… ها نحن.
نكتبُ الفصلَ الجديدَ من روايتنا…
بأقلامٍ مرهفةٍ تخطُّ كلماتها:
"غفران… ولقاء… وسلام."